أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني
19
مقامات بديع الزمان الهمذاني
بصفاتها ، ولم يقل الشّعر كاسبا ، ولم يجد القول راغبا « 1 » ، ففضل من تفتّق للحيلة لسانه ، وانتجع للرّغبة بنانه « 2 » ، قلنا : فما تقول في النّابغة ؟ « 3 » ، قال : يثلب إذا حنق ، ويمدح إذا رغب ، ويعتذر إذا رهب ، فلا يرمي إلّا صائبا ، قلنا : فما تقول في زهير ؟ « 4 » قال : يذيب الشّعر والشعر يذيبه ، ويدعو القول والسّحر يجيبه « 5 » . قلنا : فما تقول في طرفة « 6 » ؟ قال : هو ماء الأشعار وطينتها ، وكنز القوافي ومدينتها ، مات ولم تظهر أسرار دفائنه ، ولم تفتح أغلاق خزائنه ، قلنا : فما تقول في جرير « 7 »
--> ( 1 ) أي لم يتكسب في شعره . ( 2 ) أي لم يتحرك طلبا للعطاء . ( 3 ) هو النابغة الذبياني : شاعر جاهلي فحل نصب حكما في سوق عكاظ ، من أصحاب المعلقات العشر ، يدور شعره حول السياسة والمديح والهجاء والرثاء والفخر والغزل والاعتذار . وقد أشار الهمذاني إلى بواعث شعره الهامة وهي الغضب الذي يدفعه إلى الهجاء ، والرغبة التي تحمله على المديح ، والخوف الذي يجري به إلى الاعتذار . ( 4 ) هو زهير بن أبي سلمى المزني ، شاعر جاهلي فحل ، ومن أصحاب المعلقات العشر ، امتاز شعره بالمتانة والرصانة والحكمة والتنخل ، فلقب بحكيم الجاهلية لدعوته إلى السلام والتعقل . ( 5 ) يعني أن شعر زهير يتسم بالعذوبة والسلاسة وقوة التأثير أو السحر . ( 6 ) هو طرفة بن العبد البكري ، من شعراء الجاهلية الفحول وأصحاب المعلقات العشر ، توفي في السادسة والعشرين من عمره ونظم الشعر مبكرا ، ودعا إلى مذهب اللذة في الحياة . ( 7 ) جرير : هو جرير بن عطية بن الخطفي التميمي أحد شعراء المثلث الأموي الذي يضمه مع الأخطل التغلبي والفرزدق التميمي . استعرت بينهم حرب هجائية شغلت عصرهم ودعت للمفاضلة بينهم . والهمذاني يدلو بدلوه فيرى أن جريرا أرق شعرا وأغزر معنى وأوجع هجاء وأشجى نسيبا وأسنى مديحا . أما الفرزدق فكان أمتن مبنى وأكثر فخرا وأوفى وصفا .